انت هنا : الرئيسية » تحليلات سياسية » أنفاق غزّة تصل سيناء بدمشق! … بقلم : سرجون خليل

أنفاق غزّة تصل سيناء بدمشق! … بقلم : سرجون خليل

يرى أهل سيناء في غزّة مداهم الحيوي والعمراني، عبر التفاعل المتحدي اليومي الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي، القائم على وحدة الحياة، في ذاكرة تاريخية ممتدة منذ ما قبل الحالة اليهودية الطارئة في فلسطين المحتلة بآلاف السنين، والتي انتزعت هاتين الكتلتين (غزّة وسيناء) من المدى العمراني الشمالي لهما…

في دمشق، تصدح الآذان على قرع أجراس بيت لحم، مع انفجار حشوة كل صاروخ يزلزل مغتصبات أحفاد يهوه، فما انتصرت مقاومة في هذه الأمة إلاّ وكانت دمشق قابلتها معدّة استشهادييها… واستراتيجياتها!

ألم تنتصر بيروت برصاصات خالد علوان المصنّعة في معامل الدفاع السورية؟ ألم يتحرّر الجنوب اللبنانيٍ وقطاع غزّة على أيدي مجاهدين تلقوا تكتيكات الإغارة وغيرها في معسكرات بادية دمشق؟ ألم تنتصر المقاومة الفلسطينية بحشوة صواريخ تسللت عبر أنفاق سيناء آتيةً من المخازن السورية على فرسٍ دمشقي أصيل؟ ألم تصنع سهول مرجعيون مجزرة «الميركافا» الشهيرة بصواريخ نٌقِش عليها خَتِم معامل «رصاصات علوان» ذاتها؟ 

في سيناء، تنفصل الحياة عما هي على باقي الأراضي المصرية، فأهلوها يرتبطون بغزّة، بالرغم من كل عوامل الحصار والفصل المفروضة من الجانبين المصري و«الاسرائيلي»، على حدٍ سواء… الاقتصاد قائم على التجارة المهرّبة بمعظمها عبر الأنفاق الى غزّة، والروابط الاجتماعية والعائلية تتخطى زمن السيطرة المصرية على سيناء بعقود، وحتى اللّهجة، كمثل أهل غزّة والشام، أشدّ بعداً عن تلك التي يلفظها أهل النيل…

سيطرت على سيناء في السنوات الماضية عشرات من مافيات التهريب بإشراف المخابرات «الاسرائيلية» المباشر، وكانت تعمل عبر 30 نفقاً لادخال المواد الغذائية والحياتية من مواد بناء وأساس منزلي وغيره من الحجات اليومية لمواطني غزّة، في حين بقيت أنفاق المقاومة سرّية وبعيدة عن أعين المخابرات المصرية و«الاسرائيلية»، وتعمل حصراً بنقل العتاد العسكري القادم من دمشق الى المقاومة في الداخل الفلسطيني…

ومع الإغلاق المتقطع ومن ثم شبه التام للمعابر مع غزّة، وأبرزها معبري رفح وكرم أبو سالم، أصبحت الأنفاق الـ30 شريان الحياة الوحيد لأهل القطاع، إن على صعيد تأمين المواد الحياتية، من أدوية وغذاء وغيره، أو على صعيد التجارة المتبادلة من القطاع وإليه…

أعطى ذلك للمافيات قدرة تحكم كبيرة عبر حركة النقل في الانفاق التجارية، طبعاً بإشراف «إسرائيلي» كامل، حتى بات التنقّل عبر هذه الأنفاق يكلّف الفرد الواحد أكثر مما تكلفه بطاقة ركوب طائرة درجة أولى…

ومع اندفاع حكومة غزّة باتجاه مصر «الإخوان المسلمين»، توجهت الأنظار نحو زيارات اسماعيل هنية المتتالية وشبه الأسبوعية الى القاهرة، وكانت قد بدأت تلوح في الأفق بوادر تسهيل في المعابر ولو بشكل جزئي… ما يعني ضرب مافيات الأنفاق وتجارتهم!

مصرياً، بدت حكومة الإخوان محرجة بين طرفين: الأميركي الذي تم الاتفاق معه على بنود عدّة مقابل إستلام الحكم في مصر، أبرزها أمن سيناء والدولة اليهودية، والطرف «الحمساوي» الذي اعتبر نفسه جزءاً من الحكم الاخواني الجديد لمصر متخلياً في مقابل ذلك عن محور المقاومة المتمثل بدمشق وطهران، الداعم التاريخي له… فبقي الموقف المصري متلبداً بين الإلتزامات المقدمة أميركياً و«إسرائيلياً»، والموقف الشعبي الذي يرتّب عليه بالحد الأدنى فتح المعابر وفك الحصار عن قطاع غزّة…

أمام هذا الموقف الضبابي والمترواح في التصريحات المتضاربة للقيادة المصرية الجديدة، جاءت أحداث سيناء الأخيرة لتضع السلطات المصرية أمام الأمر الواقع، حيث قامت مجموعات إرهابية بضرب أحد مراكز الشرطة المصرية في سيناء بقرار وتحريض ودفع «اسرائيلي» لهذه المجموعات الممسوكة من «الشاباك» والتي اتجهت مباشرةً الى الحدود مع الأراضي المحتلة بحيث تجد في الكيان ملاذاً لها… الاّ أن المفاجأة جاءت باطلاق النار من الجانب «الاسرائيلي» وتصفيتهم جميعاً وتسليمهم في اليوم التالي الى الجانب المصري…

سارع الجانب الفلسطيني بكافة فصائله الى رفض العملية الموجهة ضد الجيش المصري والتبرؤ منها وإصدار بيانات ترفع فيها المسؤولية عن نفسها وتطالب الجانب المصري بضرب وملاحقة منفذي العملية… وفعلاً قامت القوات المسلّحة المصرية بحملة عسكرية واسعة في سيناء استخدمت فيها الدبابات والطائرات في ضرب الجهة التي حاولت الإخلال بالنظام واستهداف القوات المصرية واسمترت لأيام تلاحق فلولهم في سيناء ضاربةً بيد من حديد، وبمباركة محلية وإقليمية ودولية…

[adsenseyu1]

إستَهْدَفَ العدو من هذه العملية دفع الجانب المصري للإيفاء بالتزاماته من خلال اتفاق كامب ديفد وأمن سيناء، عبر تحريض المجموعات المسلحة، بحجة ضرب تجارتها عبر إغلاق الأنفاق، لتنفيذ هذه العملية ضد القوات المصرية تحت فكرة إيوائهم بعد تنفيذهم العملية، إلا أن فتح النار من قبل الجانب «الاسرائيلي» جاء لتصفية الجهات المنفذة، والقضاء عليها عبر العمليات العسكرية المصرية في اليومين التاليين، بعد انتهاء دورها…

من جهة أخرى، أعيد إغلاق المعابر بشكل كامل وتم تدمير أكثر من 30 نفقاً في معظمها أنفاق تجارية، وبالتالي أحكم الحصار على المقاومة الفلسطينية والمواطنين في غزّة الذين وقعوا بين كماشتين: فإما الاعتراض على هذه الاجراءات واتهامهم بالمشاركة في هجمات سيناء، أو الرضوخ لها وتنفيذ الإطباق والحصار التام على الشعب الفلسطيني «من تم ساكت».
على الصعيد المصري، تجرّدت حكومة الاخوان المسلمين من أي إلتزام مع الجانب الفلسطيني… وقامت عبر غطاء شعبي مصري وحتى فلسطيني (تحت قاعدة: مجبرٌ أخوك لا بطل) بتنفيذ بنود الإتفاق الموقع مع الأميركيين على صعيد أمن العدو وكامب دييفيد، وعملياً عبر إغلاق المعابر وتدمير الأنفاق وضرب أي تواجد للمقاومة في سيناء تحت حجة ملاحقة الارهابيين، في المقابل جاء تثبيت حكم الاخوان عبر إقالة قادة الجيش المصري، وبالتالي تسليم الأميركيين كامل السلطة في مصر للإخوان بعد إيفائهم بتعهداتهم…

[adsenseyu2]

في الخلاصة، حقق الجميع أهدافه، باستثناء الطرف الفلسطيني الخاسر الأكبر والأوحد، فقد دُمّرت الأنفاق وأغلقت المعابر وبالتالي أطبق الحصار بشكل كامل على قطاع غزّة، وبشكلٍ أكبر مما كان عليه إبّان حكم مبارك، كما تم تجميد حركة خلايا المقاومة في سيناء، وباتت الفصائل وعلى رأسها حماس موافقة على كافة الإجراءات المصرية، المدفوعة أميركياً و«إسرائيلياً»، وإلا اتهمت بدعم قتلة القوات المصرية في سيناء… واضطرت للخروج وتقديم الدعم العلني وحتى فتح مجالس عزاء في غزّة على أرواح الجنود المصريين الذين سقطوا في الهجوم…

ولكن ألا يصح ما قامت به القوات المصرية (وهذا حقها حين تتعرض لهجوم والاخلال بأمنها من قبل عصابات مسلّحة) أيضاً على القوات السورية التي تواجه آلاف العناصر الإرهابية المسلّحة الآتية من كل بقاع الأرض لتعيث فساداً وتخلّ بالنظام وتضرب هيبة الدولة السورية؟ يبقى هذا السؤال برسم كافة الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس، وبغض النّظر عن الموقف الأخلاقي مما قدمته دمشق للمقاومة الفلسطينية من دعم لولاه لما بقي لهذه الفصائل أثرٌ يُذكر، ولا مواقِعٌ سياسية تُفاوض وتُستقبَل على أثَرِها…

أما السؤال الأهم، فهو كيف ستستمر دورة الحياة في قطاع غزّة مع إغلاق «الأنفاق» مع سيناء ودمشق على حدٍ سواء؟ وأي دور يرسم بالأفق للجهاد و«فصائل انقلاب 2007 » الأخرى في غزّة بعد اتضاح أن مرسي ومبارك وجهان للعملة الأميركية «الإسرائيلية» الواحدة؟

صحيفة البناء اللبنانية

للتعليق على المقال باستخدام فيسبوك

تعليقاً حتى اللحظة

Clip to Evernote

اكتب تعليق

*

© 2011 مركز عرين للمعلومات

© 2013 القالب مقدم من تطوير ويب سايت عرب

الصعود لأعلى