انت هنا : الرئيسية » ترجمات » من يقاتل في سورية؟ … بقلم : تيري ميسان

من يقاتل في سورية؟ … بقلم : تيري ميسان

في الوقت الذي يقدم الإعلام الغربي الجيش السوري الحر على أنه تنظيم ثوري مسلح، يؤكد تيري ميسان منذ أزيد من عام بأن الأمر يتعلق –على العكس- بتشكيلة لاثورية. وحسبه، فقد انتقل تدريجيا من أيدي الممالك الرجعية الخليجية إلى أيدي تركية، تحت تصرف الناتو. مثل هذا التأكيد الذي يسير عكس التيار يتطلب تعليلات مصحوبة بأدلة.

شبكة فولتير / دمشق (سورية) / 23 جويلية-يونيو 2012.

(متوفر بالايطالية والانكليزية)

منذ 18 شهرا، وسورية تحت وطأة الاضطرابات، التي ما فتئت تتصاعد حتى أصبحت صراعا مسلحا واسع النطاق، تسبب بالفعل في مقتل نحو 20 ألف شخص. إذا كان هناك توافق في الآراء بشأن هذه الأطروحة، فإن الروايات والتفسيرات تختلف حولها.

بالنسبة إلى الدول الغربية وصحافتها، فإن السوريين يطمحون للعيش على الطريقة الغربية وسط ديمقراطيات السوق. واقتفاء منهم آثار الأنموذج التونسي والمصري والليبي في “الربيع العربي”، فإنهم سيعملون على الإطاحة بدكتاتورهم بشار الأسد.. هذا الذي قمع احتجاجاتهم دمويا. في حين أن الغربيين يرغبون في التدخل لوقف المجزرة، أما الروس والصينيون، فمن باب المصلحة أو ازدراء منهما للحياة البشرية، تعارضان.

وعلى العكس من ذلك، فإن جميع الدول التي ليست من أتباع الولايات المتحدة إعلاميا، ترى ان الولايات المتحدة قد شنت عملية ضد سورية، خططت لها منذ فترة طويلة: أولا، من خلال حلفائها في المنطقة، ثم مباشرة بعد ذلك، حيث سرّبت عصابات مسلحة زعزعت استقرار البلاد، على غرار ما فعله الكونتراس في نيكاراغوا. بيد أنهم ما وجدوا غير دعم داخلي ضئيل جدا، وقد تعثروا عندما حالت روسيا والصين دون تدمير حلف شمال الأطلسي للجيش السوري والإطاحة أيضا بالمعادلة الإقليمية.

من يقول الحقيقة ؟ من هو المخطئ؟

المجموعات المسلحة في سورية لا تدافع عن الديمقراطية..

إنها تحاربها..

 

 شعار ميليشيا الجيش السوري الحر

أولا، تفسير الأحداث السورية على أنها حلقة من “الربيع العربي” هو وهم، لأن هذا “الربيع” لا مصداقية له.

انه شعار إشهاري لتقديم حقائق انتقائية في صورة إيجابية. وإذا كانت هناك ثورات شعبية في تونس واليمن والبحرين، فإنها ليست كذلك في مصر أو ليبيا. في مصر، اقتصرت المظاهرات في الشوارع على العاصمة وبعض الطبقة المتوسطة. أبدا، لم يشعر الشعب المصري على الإطلاق بأنه معني بمشهد ميدان التحرير الـ”تيليجينيك”[1]. في ليبيا، لم يكن هناك تمرد سياسي، ولكن حركة انفصالية في برقة ضد السلطة من طرابلس، وتدخل عسكري من حلف شمال الأطلسي، قتل فيها نحو 160 ألف شخص.

عرفت المحطة اللبنانية “نور تي.في” نجاحا باهرا عند نشرها سلسلة من برامج حسن حمادة وجورج رحمة بعنوان “الربيع العربي، من لورانس العرب إلى برنار هنري ليفي”. عمل صانعاها على تطوير الفكرة القائلة بأن “الربيع العربي” هو طبعة جديدة من “الثورة العربية” 1916-1918 التي نسقها البريطانيون ضد العثمانيين. هذه المرة، تلاعب الغربيون بالأوضاع من اجل الإطاحة بجيل من القادة وفرض الإخوان المسلمين. “الربيع العربي” في الواقع هو الدعاية الكاذبة.

منذ الآن، يحكم الإخوة المغرب، تونس، ليبيا، مصر، غزة، الذين يفرضون، من جانب، نظاما أخلاقيا، ويساندون من جانب آخر الصهيونية والرأسمالية الليبرالية الزائفة، أي مصالح إسرائيل والأنجلو-ساكسون، وقد تبدد هذا الوهم. بعض الكتاب، مثل السوري هلال الشريفي، يسخرون الآن من هذا “الربيع الناتوي”.

ثانيا، قادة المجلس الوطني السوري (CNS)، مثلهم مثل قادة الجيش السوري الحر (ASL)، ليس بينهم أي ديمقراطي، بالمعنى الذي يجعلهم مفضلين في “حكومة الشعب، بالشعب ومن أجل الشعب”، حسب مقولة أبراهام لنكولن التي تم تبنيها في الدستور الفرنسي.

وأيضا، لم يكن أول رئيس للمجلس الوطني السوري، الجامعي بباريس برهان غليون بالتأكيد “معارضا سوريا مضطهدا من قبل النظام”، لأنه كان قد عاد وتحرك بحرية في بلاده. لم يكن أبدا “مثقفا علمانيا” على حد زعمه، لأنه كان المستشار السياسي للجزائري عباسي مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المحظورة)، وهو الآن لاجئ في قطر.

ولم يدخل خليفته عبد الباسط (2) سيدا السياسة إلا في الأشهر الماضية، وبرز مباشرة كمجرد منفذ لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ انتخابه رئيسا للمجلس الوطني السوري، تعهد، ليس بالدفاع عن إرادة شعبه ولكن، بتنفيذ “خارطة الطريق” التي حررتها واشنطن لسورية: “ذ داي آفتر”.

ليس مقاتلو الجيش السوري أبدا ناشطين في مجال الديمقراطية. يعترفون بالسلطة الروحية للشيخ عدنان العرعور، الواعظ التكفيري، الذي يدعو إلى إسقاط وقتل الأسد، ليس لأسباب سياسية ولكن لأنه ببساطة من الطائفة العلوية، ولأنه –في عينيه- زنديق مهرطق.

 جميع الضباط المنتسبين إلى الجيش السوري الحر هم من السنة، وجميع ألوية الجيش السوري الحر تحمل تسميات الشخصيات التاريخية السنية. “المحاكم الثورية” التابعة للجيش السوري الحر تحكم بالموت على خصومهم السياسيين (وليس فقط مؤيدي بشار الأسد)، وأيضا الكفار الذين يذبحونهم في الأماكن العامة. برنامج الجيش السوري الحر هو وضع حد للنظام العلماني الذي وضعه البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي والشيوعيون، لصالح نظام ديني سني خالص.

 

النزاع السوري دبره الغربيون

إرادة الغرب لوضع حد مع سورية معروفة، وكافية تماما لتفسير الأحداث الجارية. دعونا نتذكر بعض الحقائق التي لا تترك أي شك في مسألة سبق الإصرار والترصد[3].

لقد تم اتخاذ قرار الحرب على سورية من قبل الرئيس جورج دبليو.بوش، خلال اجتماع في كامب ديفيد، يوم 15 سبتمبر 2001، فقط مباشرة بعد هجمات مشهدية في نيويورك وواشنطن. وكان من المقرر أن يحدث التدخل في وقت واحد مع ليبيا، لإثبات القدرة على العمل في مسرح عملياتي مزدوج. وتم تأكيد هذا القرار في شهادة الجنرال ويسلي كلارك، القائد الأعلى السابق منظمة حلف شمال الأطلسي، الذي كان معارضا لذلك.

 

 

في أعقاب سقوط بغداد في عام 2003، أصدر الكونغرس قانونين يمنحان رئيس الولايات المتحدة تعليمات لإعداد حرب على ليبيا وأخرى على سورية (قانون محاسبة سورية  Syria Accountability Act).

في عام 2004، اتهمت واشنطن سورية بإخفاء أسلحة الدمار الشامل (التي لم تتمكن من العثور عليها في العراق) في أراضيها. وقد تراجعت هذه التهمة عندما تم الاعتراف بأن الأسلحة لم تكن موجودة أصلا، وأنها لم تكن سوى ذريعة لغزو العراق.

في عام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، حاولت واشنطن خوض حرب ضد سورية، ولكن لم يتأتّ لها ذلك، لان سورية سحبت جيشها من لبنان. ثم خلقت الولايات المتحدة أدلة كاذبة لاتهام الرئيس بشار الأسد بأنه وراء محاولة الاغتيال، وأنشأت محكمة استثنائية دولية لمحاكمته، لكنها اضطرت في النهاية لسحب اتهاماتها الكاذبة بعد أن افتضحت.

في عام 2006، بدأت الولايات المتحدة التحضير لـ”الثورة السورية”ـ عن طريق إنشاء برنامج ديمقراطية سورية (Syria Democracy Program). ويعني ذلك خلق مجموعات معارضة موالية للغرب، وتمويلها (كما هو الحال مع الحركة من أجل العدالة والتنمية). ويضاف إلى التمويل الرسمي الذي تقدمه وزارة الخارجية الأمريكية تمويل وكالة المخابرات المركزية سرا، عن طريق جمعية من كاليفورنيا، ومجلس الديمقراطية.

في عام 2006، أوعزت الولايات المتحدة إلى إسرائيل بالقيام بحرب ضد لبنان على أمل أن تشمل سورية ويصبح التدخل ممكنا، لكن الانتصار السريع لحزب الله أحبط الخطة.

في عام 2007، هاجمت إسرائيل سورية، وقصفت منشأة عسكرية (عملية اورشارد). ولكن مرة أخرى حافظت دمشق على برودة الأعصاب، ولم تنجرّ إلى الحرب. وأظهرت عمليات المراقبة اللاحقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية انه ليس موقعا نوويا، على عكس ما ادعاه الإسرائيليون.

في عام 2008، خلال اجتماع لمنظمة حلف شمال الأطلسي -يتم عقده سنويا- مجموعة بيلدبيرغ، عرض كل من مديرة مبادرة الإصلاح العربي، بسمة قضماني، ومدير “ويسنسشافت ستيفتونغ آند بوليتيك”، فولكر بيرتس ، شرحا وجيزا في غوتا الأمريكو- الأوروبية، عن الفوائد الاقتصادية والسياسية والعسكرية الممكن جنيها من تدخل محتمل للتحالف في سورية.

في عام 2009، وضعت وكالة المخابرات المركزية أدوات دعاية موجهة ضد سورية، مثل قناة “برادى تي.في” BaradaTV، ومقرها في لندن، وأوريون تي.في” OrientTV التي تتخذ من دبي مقرا لها.

إلى هذه العناصر التاريخية، نضيف أن اجتماعا قد عقد في القاهرة، في الأسبوع الثاني من فبراير 2011، بين جون ماكين، جو ليبرمان وبرنار هنري ليفي، وشخصيات ليبية، مثل محمود جبريل (الرجل الثاني في حكومة الجماهيرية)، وشخصيات سورية، مثل مالك العبدة وعمار القربي. هذا الاجتماع هو الذي أعطى إشارة انطلاق العمليات السرية ،التي بدأت في كل من ليبيا وسورية (15 فبراير في بنغازي و17 في دمشق).

في يناير كانون الثاني 2012، شكلت وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتين فريق العمل “ذ داي آفتر”، لدعم التحول الديمقراطي في سورية، الذي كتب بالمرة دستورا جديدا لسورية، وبرنامجا للحكومة[4].

في ماي من عام 2012، أنشأ حلف شمال الأطلسي ودول مجلس التعاون الخليجي فريق العمل المعني بالانتعاش الاقتصادي والتنمية لأصدقاء الشعب السوري، تحت الرئاسة المشتركة الألمانية والإماراتية. ووضع له الاقتصادي السوري-البريطاني “أسامة القاضي” مسودة تقاسم الثروات السورية بين الدول الأعضاء في التحالف، لتطبيقها “يوما بعد” (أي يشرع في تطبيقها في اليوم الذي يلي يوم الإطاحة بالرئيس بشار الأسد على يد حلف شمال الأطلسي ودول مجلس التعاون الخليجي)[5].

ثوار.. أم ثوار مضادون ؟

 

لم تنبثق الجماعات المسلحة من الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في فبراير 2011. كانت تلك المظاهرات في الواقع تستنكر الفساد وتطالب بالمزيد من الحريات، في حين أن الجماعات المسلحة –وقد رأيناهم أعلاه- قد انبثقوا من الاسلاموية.

في السنوات الأخيرة، ضربت أزمة اقتصادية رهيبة البلاد. كانت نتيجة لضعف المحاصيل، التي أولت خطأ على أنها مصيبة عابرة، في حين أنها حدثت بسبب التغيرات المناخية الدائمة.

 تضاف إلى هذا أخطاء في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، ما أخل بالقطاع الأولي. تبع ذلك نزوح ريفي هائل تعين على الحكومة أن تواجهه، وأيضا حيَدان طائفي لبعض المزارعين واعتقادهم بأن السلطة قد فشلت. في عدد من المناطق، لم تكن المساكن الريفية متركزة في القرى، بل متفرقة في المزارع المعزولة، ولم يقس احد مدى استفحال هذه الظاهرة حتى تجمع أصحابها.

في النهاية، وفي الوقت الذي كان المجتمع السوري يجسد نموذجا للتسامح الديني، نما تيار تكفيري في داخله، مقدما قاعدة الجماعات المسلحة. وتم إغداق الأموال الطائلة على هؤلاء من قبل الممالك الوهابية (المملكة العربية السعودية، قطر، الشارقة)[6].

هذه العطايا ولـّدت التفافات لمقاتلين جدد، وتشمل أقارب ضحايا القمع الجماعي للانقلاب الدموي لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1982. دوافعهم في ذلك شخصية أكثر منها إيديولوجية. لقد خرجوا للثأر.

لقد انضم أيضا العديد من البلطجية والمدانين قضائيا، بعد ان أغراهم المال السهل: ان “الثوري” يتقاضى سبعة أضعاف متوسطالأجور.

وأخيرا، بدأ المحترفون الذين قاتلوا في أفغانستان والشيشان والبوسنة أو العراق في التدفق. في الصفوف الأولى رجال تنظيم القاعدة في ليبيا، بقيادة عبد الحكيم بلحاج شخصيا[7]. تقدمهم وسائل الإعلام كجهاديين، وهو وصف غير مناسب، إذ أن الإسلام لا يسمح للمسلمين بالجهاد ضد إخوانهم المسلمين. ان هؤلاء مرتزقة في المقام الأول.

تصر الصحافة الغربية ودول الخليج على وجود فارين من الجيش ضمن الجيش السوري الحر. ان ذلك صحيح، ولكن، في الوقت نفسه، ليس صحيحا أنهم انشقوا بعد ان رفضوا قمع احتجاجات سياسية. يدخل هؤلاء الفارون ضمن الحالات التي ذكرناها سابقا. وعلاوة على ذلك، فإن جيشا من الرجال تعداده 300 ألف يتضمن بالضرورة متعصبين دينين وبلطجية.

تستخدم الجماعات المسلحة علما سوريا ذا شريط اخضر (بدلا من الشريط الأحمر)، وثلاث نجوم (بدلا من اثنتين). الصحافة الغربية تسميه “علم الاستقلال”، لأنه كان مستخدما وقت استقلال البلد في عام 1946. انه في الواقع علم الانتداب الفرنسي الذي ظل معمولا به خلال استقلال البلاد الرسمية (1932-1958). تمثل النجوم الثلاثة طوائف الاستعمار الدينية الثلاثة (العلويين والدروز والمسيحيين). من المؤكد ان استخدام هذا العلم ليس للتلويح برمز ثوري. على العكس من ذلك، انه تأكيد على الرغبة في إطالة أمد المشروع الاستعماري، الذي يعود إلى اتفاق سايكس بيكو عام 1916، لإعادة تشكيل “الشرق الأوسط الكبير”.

خلال 18 شهرا من العمل المسلح، تمت هيكلة هذه الجماعات المسلحة، وتنسيقها تقريبا. وفي وضعها الحالي، تم وضع الغالبية تحت القيادة التركية، تحت تسمية الجيش السوري الحر. في الواقع، لقد أصبحوا مساعدي حلف شمال الأطلسي. الحي العام للجيش السوري الحر قد تمت إقامته على قاعدة انجرليك الجوية التابعة لحلف شمال الأطلسي. الإسلامَويون الأشد مراسا شكلوا منظمات خاصة بهم أو انضموا إلى تنظيم القاعدة. إنهم تحت سيطرة قطر أو السديري، فرع من العائلة المالكة في السعودية[8]. في الواقع، فإنهم مرتبطون بوكالة المخابرات المركزية.

هذا التشكل التدريجي، الذي انطلق من الفلاحين الفقراء وانتهى عند تدفقات المرتزقة، مطابق لما عرف في نيكاراغوا عندما نظمت وكالة الاستخبارات الأمريكية مجموعات الكونتراس للإطاحة بالساندينيين، أو لذلك الذي شهدته كوبا عندما قامت الـ”سي.آي.أي” بإنزال في خليج الخنازير، للإطاحة بالكاستريين. والجماعات المسلحة السورية مطالبة بالعمل على هذا النموذج: في ماي 2012، قام الكونتراس الكوبيون بتنظيم ملتقيات دراسية تدريبية بميامي لتلقين نظرائهم السوريين حرب عصابات الثورة المضادة[9].

أساليب وكالة الاستخبارات المركزية هي نفسها في كل مكان. وقد ركز الكونتراس السوريون أيضا عملياتهم العسكرية، من جهة، على إنشاء قواعد ثابتة (ولكن لا شيء تم، ولا حتى الإمارة الإسلامية في بابا عمرو)، ثم تخريب الاقتصاد (تدمير البنية التحتية وإضرام الحرائق في المصانع الكبرى)، وأخيرا الإرهاب (إخراج قطارات الركاب عن سككها، هجومات بسيارات ملغومة في مواقع عامة، قتل الزعماء الدينيين والسياسيين والعسكريين).

وبالنتيجة، فإن جزءا من الشعب السوري تعاطف مع الجماعات المسلحة في بداية الأحداث، معتقدين أنهم يمثلون بديلا عن النظام الحالي، ثم تخلوا عن تعاطفهم تدريجيا.

ودون ان نتفاجأ، ضمّت معركة دمشق حوالى 7000 مقاتل متوزعين على كل أنحاء البلاد، اجتمعوا في العاصمة، صحبة جيوش مرتزقة، كانت منتظرة في الدول المجاورة. عشرات الآلاف من الكونتراس حاولوا اختراق البلد، انتقلوا سويا في عدة مجموعات، بيك-آب، فضلت عبور الصحارى على استخدام الطرق السريعة. القصف الجوي أوقف إحداها فاضطرت إلى النكوص، أما المجموعات الأخرى، فبعد الاستيلاء على المعابر الحدودية تابعت حتى العاصمة. ولم تعثر على الدعم الشعبي المتوقع. بالعكس من ذلك، فإن الشعب هو الذي وجه جنود الجيش الوطني لتحديد مواقعها والقضاء عليها. في نهاية المطاف، أجبرت على التراجع، وأعلنت أنها لم تظفر بدمشق لذا ستدخل حلب. وعلاوة على ذلك، فإنه يظهر أن هؤلاء ليسوا دمشقيين ثائرين ولا حلبيين، ولكن مقاتلين جوالين.

 

(تعليق على الفيديو) تسلل الكونتراس عبر صحراء قرب درعا

 

لا ينبغي مقارنة لاشعبية الجماعات المسلحة بشعبية الجيش النظامي وميليشيات الدفاع عن النفس. الجيش السوري الوطني هو جيش من المجندين، لذلك فهو جيش شعبي، ومن غير المتصور أنه يمكن أن يستخدم في قمع سياسي. في الآونة الأخيرة، أذنت الحكومة بإنشاء مجموعات الأحياء للدفاع الذاتي. وقامت بتوزيع الأسلحة على المواطنين الملتزمين، لتكريس ساعتين من وقتهم يوميا، للدفاع عن منطقتهم، تحت إشراف الجيش.

مثانات لفوانيس

في أيامه، لاقى الرئيس ريغان بعض الصعوبات في تقديم الكونتراس في ثوب الـ”ثوريين”. لقد خلق من اجل ذلك جهازا للدعاية، هو مكتب الدبلوماسية العامة، التي عهد بإدارتها إلى أوتو رايش[10]، الذي افسد الصحفيين في معظم وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لتسميم الرأي العام.

وأطلق إشاعة أن الساندينيين يمتلكون أسلحة كيماوية وقد يستخدمونها ضد شعبهم. واليوم، يتم توجيه الدعاية من البيت الأبيض من قبل نائب مستشار الأمن القومي المسؤول عن الاتصالات الإستراتيجية، بن رودس. انه يطبق الأساليب القديمة، وأطلق شائعات ضد الرئيس بشار الأسد بخصوص الأسلحة الكيميائية.

 

بالتعاون مع جهاز المخابرات البريطانية MI6، نجح رودس في ان يفرض مؤسسة وهمية على أنها المصدر الرئيسي لمعلومات وكالات الأنباء الغربية: المرصد السوري لحقوق الإنسان (OSDH). لم تناقش وسائل الإعلام أبدا مصداقية هذا التوقيع، على الرغم من ان مراقبين من الجامعة العربية وآخرين تابعين للأمم المتحدة قد نفوا مزاعمه. أفضل.. هذا الهيكل الشبح، التي لا يملك مقرا ولا موظفين ولا خبراء أصبح مصدرا لمعلومات المستشاريات الأوروبية منذ ان أقنعهم البيت الأبيض بسحب موظفيهم الدبلوماسيين من سورية.

 

في انتظار المباشر، اتصل مراسل قناة الجزيرة خالد أبو صلاح هاتفيا برئاسة تحرير القناة، مدعيا أن بابا عمرو تتعرض للقصف، بعد ان رتب المؤثرات الصوتية. وقد دعا فرانسوا هولاند أبو صلاح كضيف شرف إلى المؤتمر الثالث لأصدقاء سورية.

ونظم بن روس أيضا عروضا للصحفيين المحتاجين إلى عواطف. وبعد إنشاء محطتي اتصال، الأولى عند الوزير الأول التركي رجب طيب اردوغان، والثانية عند الوزير الأول السابق اللبناني فؤاد السنيورة، كان الصحفيين الراغبين مدعوين للدخول بطريقة غير شرعية عن طريق مُمَرِّرين إلى سورية، وخلال شهور، كانوا يمنحون سفريات انطلاقا من الحدود التركية، من قرية جبلية. كان مستطاعا انجاز صور مع “ثوريين” ومقاسمة “المقاتلين يومياتهم”. ثم، للذين يتمتعون بلياقة رياضية أكثر، كان بالإمكان زيارة إمارة بابا عمرو الإسلامية، انطلاقا من الحدود اللبنانية.

والغريب جدا ان العديد من الصحفيين أنفسهم لاحظوا تزويرات ضخمة، لكنهم لم يستخلصوا منها أية نتيجة. وأيضا، فإن مصورا صحافيا شهيرا قام بتصوير “ثوريي” بابا عمرو  وهم يحرقون عجلات السيارات لصنع دخان أسود وجعلنا نعتقد بقصف الحي. لقد بث تلك الصور على قناة “شانل4″ (Channel4)[11]، لكنه استمر في الادعاء انه كان شاهدا على قصف بابا عمرو، وقد رواها المرصد السوري لحقوق الإنسان.

 

 

أو : ما لاحظته أيضا صحيفة نيويورك تايمز من ان الصور ومقاطع الفيديو المرسلة من قبل مصلحة الصحافة التابعة للجيش السوري الحر، والتي تعرض أبطالا شجعانا، كانت محض إخراج سينمائي[12]. لقد كانت أسلحة الحرب في الواقع نسخا مقلدة، ولعب أطفال. لكن الصحيفة واصلت مع ذلك الاعتقاد بوجود جيش من الفارين مكون من حوالي 100 ألف رجل.

 

قراءة بيان صادر عن الجيش السوري الحر. “الفارون” المفتخرون هم مجرد كومبارس يحملون أسلحة وهمية.

 

وحسب مخطط كلاسيكي، فإن الصحفيين يفضلون مواصلة الكذب على الاعتراف أنهم وقعوا في تغليط. وبعد ان يتم خداعهم، يشاركون عن وعي في صناعة الكذب الذي اكتشفوا حقيقته. ويبقى السؤال هل انتم –قراء هذا المقال- تفضلون أيضا غض الطرف أم ستقررون مساندة الشعب السوري ضد عدوان الكونتراس.

 

==

تيري ميسان/ شبكة فولتير الإخبارية

ترجمة: خالدة مختار بوريجي

 

هوامش

 

1 ـ ميدان التحرير ليس الأوسع في القاهرة، لقد اختير لاعتبارات تسويقية. كلمة “التحرير” تترجم في اللغات الأوروبية بكلمة الحرية (liberté). ومن الواضح أن هذا الرمز لم يتم اختياره من قبل المصريين، لأن هناك العديد من الكلمات في اللغة العربية لتسمية الحرية”. ان كلمة التحرير تعني الحرية التي نتلقاها، وليس التي نصنعها نحن.

2 ـ دأبت الصحافة الغربية على كتابة اسم السيد سيدا Syda بإضافة “أ” (a) لتصبح سيْدا ”Sayda” لتجنب الخلط بينها وبين المرض الذي يحمل نفس الاسم.

3 ـ ويستخدم مصطلح “الترصد” عادة في القانون الجنائي. في السياسة، المصطلح المناسب هو “مؤامرة”، ولكن الكاتب لم يستخدمه لأنه يخلق رد فعل هستيري من هؤلاء الذين يتوهمون بأن السياسة الغربية غير شفافة وديمقراطية.

4 ـ واشنطن تحرر دستورا جديدا لسورية”، شبكة فولتير، 21 جويلية-يوليو 2012.

5 ـ  ”..”أصدقاء سوريا” تبادل للاقتصاد السوري قبل الاستيلاء عليه”، على صفحات “جيرمان فورين بوليسي” ترجمة “أوريزون إي ديبا”، شبكة فولتير، 14 جويلية-يونيو 2012.

6 ـ الشارقة واحدة من الإمارات السبع التي تكون دولة الإمارات العربية المتحدة.

7 ـ “الجيش السوري الحر متحكم فيه من قبل الحاكم العسكري لطرابلس”، بقلم: تيري ميسان. شبكة فولتير، 18 ديسمبر 2011.

8ـ لتفاصيل أكثر، اقرأ “الثورة المضادة في الشرق الأوسط”، بقلم تيري ميسان. كومسومولسكايا برافدا/ شبكة فولتير، 11 ماي 2011.

9 ـ “المعارضة السورية تتسلم منتجعاتها الصيفية بميامي”، الوكالة الكوبية للأخبار، جون غي آلارد، شبكة فولتير، 25 ماي 2012.

10 ـ “اوتو ريش والثورة المضادة”، بقلم آرثر لوبيك، بول لاباريك. شبكة فولتير، 14 ماي 2004.

11 ـ « Syria’s video journalists battle to telle the ’truth’ », Channel4, 27 mars 2011.

12 ـ “Syrian Liberators, Bearing Toy Guns”, par C. J. Chivers, The New York Times, 14 juin 2012.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : في قسم ترجمات نحن نعرض المقالة كما وردت على لسان كاتبها الأجنبي بغية التعرف على وجهة النظر الغربية من الأمور و ليس كما نرى نحن الوقائع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[adsenseyu1]

[adsenseyu2]

للتعليق على المقال باستخدام فيسبوك

تعليقاً حتى اللحظة

Clip to Evernote

اكتب تعليق

*

© 2011 مركز عرين للمعلومات

© 2013 القالب مقدم من تطوير ويب سايت عرب

الصعود لأعلى